فخر الدين الرازي

98

تفسير الرازي

المسألة السادسة : قال بعضهم : الباء في قوله : ( واسمحوا برؤوسكم ) زائدة والتقدير : وامسحوا رؤسكم ، وقال الشافعي رضي الله عنه إنها تفيد التبعيض ، حجة الشافعي رضي الله عنه وجوه الأول أن هذه الباء إما أن تكون لغواً أو مفيداً ، والأول باطل ؛ لأن الحكم بأن كلام رب العالمين وأحكم الحاكمين لغو في غاية البعد ، وذلك لأن المقصود من الكلام إظهار الفائدة فحمله على اللغو على خلاف الأصل ، فثبت أنه يفيد فائدة زائدة ، وكل من قال بذلك قال : إن تلك الفائدة هي التبعيض ، الثاني : أن الفرق بين قوله : " مسحت بيدي المنديل " وبين قوله : " مسحت يدي بالمنديل " يكفي في صحة صدقه ما إذا مسح يده بجزء من أجزاء المنديل . الثالث : أن بعض أهل اللغة قال : الباء قد تكون للتبعيض ، وأنكره بعضهم ، لكن رواية الإثبات راجحة فثبت أن الباء تفيد التبعيض ، ومقدار ذلك البعض غير مذكور فوجب أن تفيد أي مقدار يسمى بعضاً ، فوجب الاكتفاء بمسح أقل جزء من الرأس ، وهذا هو قول الشافعي ، والإشكال عليه أنه تعالى قال : ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) فوجب أن يكون مسح أقل جزء من أجزاء الوجه واليد كافياً في التيمم ، وعند الشافعي لا بدّ فيه من الإتمام ، وله أن يجيب فيقول : مقتضى هذا النص الاكتفاء في التيمم بأقل جزء من الأجزاء إلا أن عند الشافعي الزيادة على النص ليست نسخاً فأوجبنا الإتمام لسائر الدلائل ، وفي مسح الرأس لم يوجد دليل يدل على وجوب الإتمام فاكتفينا بالقدر المذكور في هذا النص . المسألة السابعة : فرع أصحاب أبي حنيفة على باء الإلصاق مسائل : إحداها : قال محمد في " الزيادات " : إذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق بمشيئة الله تعالى لا يقع الطلاق ، وهو كقوله : أنت طالق إن شاء الله ، ولو قال : لمشيئة الله يقع ، لأنه أخرجه مخرج التعليل ، وكذلك أنت طالق بإرادة الله لا يقع الطلاق ، ولو قال لإرادة الله يقع ، أما إذا قال : أنت طالق بعلم الله أو لعلم الله فإنه يقع الطلاق في الوجهين ، ولا بدّ من الفرق ، وثانيها : قال في كتاب الأَيمان لو قال لامرأته : إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني فأنت طالق ، فإنها تحتاج في كل مرة إلى إذنه ، ولو قال : إن خرجت إلا أن آذن لك فأذن لها مرة كفى ، ولا بدّ من الفرق ، وثالثها : لو قال لامرأته : طلقي نفسك ثلاثاً بألف ، فطلقت نفسها واحدة وقعت بثلث الألف وذلك أن الباء ههنا تدل على البدلية فيوزع البدل على المبدل ، فصار بإزاء من طلقة ثلث الألف ، ولو قال : طلقي نفسك ثلاثاً على ألف فطلقت نفسها واحدة لم يقع شيء عند أبي حنيفة لأن لفظة " على " كلمة شرط ولم يوجد الشرط وعند صاحبيه تقع واحدة بثلث الألف .